الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة المؤرخة ليلى بليلي تكشف بدايات الحركة الشيوعية في تونس وعلاقتها بالحركة الوطنية

نشر في  28 مارس 2021  (15:00)

بمناسبة ذكرى مرور 100 سنة على بعث أول نواة شيوعية في البلاد التونسية في 27 مارس من سنة 1921 في فري فيل (مدينة منزل بورقيبة حاليا)، نظمت مؤسسة روزا لوكسمبورغ بالتعاون مع مكتب التعاون الاكاديمي و مخبر التراث بكلية الآداب والفنون والانسانيات بمنوبة عددا من الأنشطة العلمية والفكرية بمدينة الثقافة.

وتضمنت هذه الأنشطة عرض شهادات موثقة، لمناضلات و مناضلين. ونتوقف في هذه التغطية عند الجلسة الأولى التي انتظمت بالمكتبة السينمائية صبيحة يوم الأربعاء 24 مارس حول موضوع بدايات الحركة الشيوعية في البلاد التونسية (1921 - 1935) بمشاركة الأساتذة ليلى بليلي وحفناوي عمايرية وعمر القريشي.

وننقل في هذه المقالة فحوى مداخلة المؤرخة ليلى بليلي التي تمت محاكمتها سنة 1974 بسبب انتمائها الى حركة برسبكتيف، والتي أشارت في البداية الى أطروحة بحثها التي تطرقت للحركة الشيوعية في تونس. وقالت في هذا الصدد انّ الوثائق الرسمية تتحدث عن الفرع الفيدرالي للأمميمة الشيوعية، وهي النواة الشيوعية الأولى في تونس والتي نشطت من مارس 1921 الى حدود منعها في 17 ماي 1922 أي بعد قرابة العام والشهرين من النشاط لتدخل بعدها في السرية الى غاية محاكمة فينيدوري ومختار العياري ومحمد علي الحامي في المحاكمة الشهيرة التي انتظمت سنة 1925 تمت تسمية "المؤامرة النقابية الشيوعية ".

وقد تميزت النواة الشيوعية الاولى، وفق البليلي، بخمس خصوصيات:

-أولها محاولة التموقع في العاصمة وفي بعض المدن الداخلية وأشارت الأستاذة بليلي ان النواة الأولى كانت تتكون من 8 او 10 اشخاص على اقصى تقدير. وسنجد النواة تنشط في تاجروين والمنستير والقيروان وقفصة وسوسة وغائبة عن الحوض المنجمي، فقد كانت شركة الفسفاط مسيطرة عليه.

-ثانيها استعمال اللغة العربية في الاجتماعات. يعني هناك محاولة تونسة هذه النواة لأن الأممية الثالثة كانت ترفع شعار "تعريب الفروع المحلية" بهدف الاقتراب اكثر ما يكون من الشعوب العربية.

-ثالثها كان نشر صحف باللغة العربية على غرار "حبيب الأمة" و"النصير" و"المهضوم". ويذكر ان هذه الجرائد صدرت بلغة عربية سلسة لمدة وجيزة ونشرت عدة قصائد وملزومات بعضها للشاعر عبد الرحمان الكافي.  

-رابعها النشاط في بعض الفرق المسرحية ومنها فرقة الاخوين بورقيبة أي استغلال المسرح كأداة للدعاية.

-خامسها العلاقة مع الحركات الوطنية بمعنى انه لم يكن هناك تصادم للنواة الشيوعية التي كانت تدعو للأممية مع الحركات الوطنية. وهذا ما دفع ببعض نشطاء الحركة الوطنية للالتحاق بالحركة الشيوعية ولم تكن هناك قطيعة. وفكرة استقلال الشعوب كانت تدعو اليها أيضا الأممية الثالثة والفيدرالية الشيوعية بتونس مع جون بول فينيدوري ومختار العياري وبودمغة عكس الحركات الاشتراكية التي كانت تقول ان شعار الاستقلال خطأ فادح. وسنجد اول ظهور لكلمة الاستقلال في الصحافة الشيوعية. وهو ما تخوفت منه السلطات الاستعمارية لانهم كانوا من الأوائل بمن نطقوا بالاستقلال.

وبخصوص طرق عملهم، قالت الأستاذة ليلى بليلي انهم كانوا يركزون على العنصر المحلي التونسي، على العنصر اليهودي. كان اول مؤتمر انعقد في حلق الوادي يوم 18 ديسمبر 1921. وتمت خلاله مناقشة عدد من القضايا اثر انتهاء الحرب العالمية الأولى وأيضا عددا من القضايا التونسية. ومن بين اصداراتهم "المجلة الحمراء" التي فيها شبه مع "تونس الشهيدة" لعبد العزيز الثعالبي. كان هناك تقارب كبير في القضايا المطروحة وفي طريقة معالجتها، لم تكن هناك قطيعة بين القضايا التي تدافع عنها الحركة الوطنية والحركة الشيوعية.

وأشارت الأستاذة بليلي الى الاختلاف الكبير بين الحركة الشيوعية والحركة الاشتراكية والذي يكمن حسب رأيها في معاداة الاستعمار. وقالت ان من بين شعارات الحركة الشيوعية هي معاداة الاستعمار. وقالت ان هذه النقطة دفعت بالاستعمار للتدخل بعنف خصوصا عندما تم اصدار الصحف باللغة العربية وقد لاقت هذه الأخيرة رواجا واسعا، فقد كانت تقرؤ في المقاهي وهو ما استعى تدخل البوليس الذي تولى إيقاف روبار لوزان ممثل الحركة العمالية المناهضة للاستعمار ورائد الصحافة الشيوعية باللغة العربية، وكان المعمرون يطلقون عليه اسم "الملياردير الشيوعي" لان المطبعة التي كانت تطبع الصحف المذكورة والتي كان يشتغل فيها جون بول فينيدوري كانت على ملكه. وصدر ضده حكم ب8 اشهر سجنا، نفس الشيء بالنسبة للشاعر عبد الرحمان الكافي الذي حوكم ب5 اشهر سجنا.

وعلقت الأستاذة البليلي قائلة ان هذا التدخل يعكس مدى انتشار هذه النواة لا بالمعنى الكمي لكن بمعنى الصدى الذي لاقته عند التونسيين. وأضافت انّ محمد نعمان واحمد بن ميلاد (وهو من مؤسسي الشبيبة الشيوعية في فيفري 1920 وقد تم بالفعل اعتقاله ومحاكمته وهو تلميذ بمعهد كارنو) خشيا من ردة الفعل القمعية للسلطات الاستعمارية.

وذكرت المحاضرة انه نالها سنة 1974 شرف التعرف على جون بول فينودوري في شقته الكائنة بالعاصمة بشارع لندرة، وقالت انه كان رجلا "ظامرا" و"ذكيا" ومشاكسا، وكان مريضا لكنة بذاكرة مميزة حيث روى لها الخصومة التي جمعته بأحمد بن ميلاد، والذي كان بدوره "ظامر وحلو" سنة 1921، وقالت ان بن ميلاد التحق بالحركة الشيوعية لكنه خشي القمع وكتب مقالا لكنه توجه للمطبعة لسحبه لكن فينيدوري رفض ذلك.

واشارت ليلى بليلي الى مقابلة جمعتها بزوجة فينيدوري وكانت خياطة للملابس الداخلية ومعها مساعدة تونسية كشفت لها انهم كانوا نهاية الشهر يسددون مصاريف الكراء وغيرها ثم يتقاسمون البقية وفاء لمبادئ العدالة الاجتماعية.

وختمت المؤرخة مداخلتها بالقول ان الفيدرالية الشيوعية بتونس كانت تجربة ثرية ورمت بمسألة معاداة الاستعمار في الواجهة، وهو ما تسبب في قيام السلطات الاستعمارية بقمعها بقوة وقمع مناضليها ومنهم فينيدوري والعياري اللذين وقع تشريدهما.

 ملاحظة: الصور المرفقة بالمقال تم التقاطها من المعرض الوثائقي الذي انتظم بالمناسبة في بهو المكتبة السينمائية.

شيراز بن مراد